إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اسمه ونشأته وطلبه للعلم
إنه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (97 هـ-161 هـ) فقيه كوفي، وأحد أعلام الزهد عند المسلمين، وإمام من أئمة الحديث النبوي، وواحد من تابعي التابعين، وصاحب واحد من المذاهب الإسلامية المندثرة، والذي ظل مذهبه متداولاً حتى القرن السابع الهجري، والذي قال عنه الذهبي: «هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد مصنف كتاب الجامع»، كما قال عنه بشر الحافي: «سفيان في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما».
من قبيلة ثور، وهي قبيلة من مضر، ولد -رحمه الله- سنة سبع وتسعين للهجرة، ودرس على أبيه سعيد بن مسروق، الذي كان ثقة عند المحدثين، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، وطلب سفيان العلم وهو حدثٌ باعتناء والده المحدث الصادق، وأمه كان لها أثر حسن في توجيهه، قالت أم سفيان لـسفيان:" يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"، تعمل بالغزل وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلم، وقالت له مرة: "يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك؟ فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك" من هذا البيت خرج هذا الرجل.
والتربية التربية -يا عباد الله- النشء يخرج هكذا، أفنى عمره في طلب العلم، وطلب الحديث، وقال رحمه الله-: "لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! لا بد لي من معيشة، ورأيت العلم يُدرس أي: يذهب ويندثر تدريجياً فقلت: أفرغ نفسي في طلبه، قال: وسألت الله الكفاية. وقال: أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة".
وقال: "ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه". وكان -رحمه الله تعالى- يقول: "لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا"، وقال: "لو لم يأتني أصحاب الحديث ليسمعوا ويكتبوا لأتيتهم في بيوتهم"، وبلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وعن المبارك بن سعيد قال: "رأيت عاصم بن أبي النجود وكان شيخاً جليلاً يجيء إلى سفيان الثوري يستفتيه، ويقول: يا سفيان ! أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً"، أتيتنا صغيراً تطلب العلم عندنا، فتفوقت علينا فجئناك وأنت كبير، وكان يكتب ويتعلم حتى آخر عمره، يشتغل بطلب العلم.
" دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث أعجبه، وضرب سفيان بيده إلى تحت فراشه فأخرج ألواحاً فكتبه، كتب الحديث وهو على فراش الموت، فقالوا له: على هذه الحال منك!
فقال: إنه حسن! إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً".
رحل إلى مكة والمدينة، وحج ولم يخط وجهه بعد، وزار بيت المقدس، ورحل إلى اليمن للقاء معمر، وكانت أسفاره ما بين طلب علم وتجارة وهرب، كان نابغة بحق، عن الوليد بن مسلم قال: "رأيت سفيان الثوري بـمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد"، وعن أبي المثنى قال: "سمعت الناس بـمرو يقولون: قد جاء الثوري قد جاء الثوري ، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه". يعني نبت شعره من قريب، كان ينوه بذكره في صغره من فرط ذكائه وقوة حفظه. وقال محمد بن عبيد الطنافسي: "لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي، أذكره منذ سبعين سنة، ونحن في الكتاب تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم"، ولما رآه أبو إسحاق السبيعي مقبلاً في صغره تمثل بقول الله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) .
كان حافظة عجيباً في حفظه، كان ذا حافظة عجيبة فيها، قال سفيان عن نفسه: "ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني"، وكانوا يقدمونه في الحفظ على مالك وعلى شعبة، وقال يحيى القطان : "ليس أحد أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإن خالفه سفيان أخذت بقول سفيان"، خالفه في نحو من خمسين موضعاً في حفظ الأحاديث، كان الحق فيها مع سفيان.
أشهر أقواله واقتباساته
- إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بدليل فافعل.
- الحديث درج والرأي مرج فإذا كنت على الدرج فاحذر أن تزل قدمك فتندك عنقك وإذا كنت في المرج فسر حيث شئت.
- قالت لي والدتي لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة .
- ليس طلب العلم فلان عن فلان إنما طلب العلم الخشية لله عز وجل.
- عبد الرحمن بن مهدي يقول لما أن غسلت سفيان الثوري وجدت في جسده مكتوبا فسيكفيكم الله.
- لا تكونن حريصا على الدنيا تكن حافظا.
- إنى لأظن لو أن رجلا هم بالكذب عرف ذلك في وجهه.
- يا معشر الشباب تعجلوا بركة هذا العلم فإنكم لا تدرون لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه ليفد بعضكم بعضا.
- الإسناد سلاح المؤمن ، فإذا لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل.
- ما أعلم شيئا أفضل من طلب العلم بنية.
- طلبت العلم ولم تكن لي نية ثم رزقني الله النية
- تعلموا العلم فاذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك ولا لعب فتمجه القلوب
- مثل العالم مثل الطبيب لا يضع الدواء إلا على موضع الداء
- أول العلم الصمت والثاني الإستماع له وحفظه والثالث العمل به والرابع نشره وتعليمه
- ليس عمل بعض الفرائض أفضل من طلب العلم.
- لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا.
- ليس شيء أنفع للناس من الحديث.
- الحديث أكثر من الذهب والفضة وليس يدرك وفتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة
- من ازداد علما ازداد وجعا.
- وددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.
- من رق وجهه رق عمله.
- أكثروا من الأحاديث فانها سلاح
- كثر الناس عليه فقال: ضاعت الأمة حين احتيج إلي.
- ما تصنع بعلم إذا انتهيت فيه إلى الغاية تمنيت إنك خرجت منه كما دخلت فيه
- كان إذا لقي شيخا سأله هل سمعت من العلم شيئا فإن قال لا قال لا جزاك الله عن الإسلام خيرا.
- ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فانه مسئول عنه
- إن هذا الحديث عز من أراد به الدنيا فدنيا ومن أراد به الآخرة فآخرة
- لو هم رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيته لأظهر الله عليه.
- البدعة أحب إلى إبليس من المعصية المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منه.
- طلبت العلم ولم يكن لي نية ثم رزقني الله النية.
- استوصوا بأهل السنة خيرا فانهم غرباء.
- الأعمال السيئة داء والعلماء دواء فإذا فسد العلماء فمن يشفي الداء.
- العالم طبيب الدين والدراهم داء الدين فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره
- ما أطاق أحد العبادة ولا قوي عليها إلا بشدة الخوف.
- إنما يطلب العلم ليتقى الله به فمن ثم فضل فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء
- حسن الأدب يطفئ غضب الرب عز وجل.
- إنما هو طلبه ثم حفظه ثم العمل به ثم نشره.
- الستر من العافية
- إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فاقلل من الأكل
- أتدرون ما تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله يقول لا يعطي أحد إلا ما أعطيت ولا يقي أحد إلا ما وقيت
- إنما سميت الدنيا لانها دنية وسمي المال لأنه يميل بأهله
- البكاء عشرة أجزاء تسعة لغير الله وواحد لله فاذا جاء الذي لله في السنة مرة فهو كثير
- يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم
- من أحب أفخاذ النساء لم يفلح
- الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب
- ليس شئ أقطع لظهر إبليس من قول لا إله إلا الله ولا شئ يضاعف ثوابه من الكلام مثل الحمد لله
- لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها أحب إلى من أن أحتاج إلى الناس
- الإسناد سلاح المؤمن فمن لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل.
- زينوا العلم بأنفسكم ولا تزينوا بالعلم.
- البدعة أحب إلى إبليس من المعصية المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها
- لولا هذه الدنانير لتمندل بنا هؤلاء الملوك.
- الظن ظنان فظن فيه إثم وظن ليس فيه إثم فأما الظن الذي فيه إثم فالذي يتكلم به وأما الظن الذي ليس فيه إثم فالذي لا يتكلم به
- ما أعطى رجل من الدنيا شيئا إلا قيل له خذه ومثله حزنا
- عليك بالزهد يبصرك الله عورات الدنيا وعليك بالورع يخفف الله عنك حسابك ودع ما يريبك إلى مالا يريبك وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك
- ماشبهت خروج المؤمن من الدنيا إلى الآخرة إلا مثل خروج الصبي من بطن أمه من ذلك الغم إلى روح الدنيا
- عليك بالقصد في معيشتك وإياك أن تتشبه بالجبابرة وعليك بما لا يقرف من الطعام
- إنما يراد العلم للعمل لا تدع طلب العلم للعمل ولا تدع العمل لطلب العلم
- يا معشر القراء ارفعوا رؤسكم لا تزيدوا التخشع على ما في القلب فقد وضح الطريق فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا تكونوا عيالا على المسلمين.
- قال سفيان بن عيينة رأيت الثوري في المنام فقلت أوصني قال أقلل من مخالطة الناس قلت زدني قال سترد فتعلم
- إنما سمي المال لأنه يميل القلوب.
- رضى الناس غاية لا تدرك وطلب الدنيا غاية لا تدرك
- الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العبا
- كان إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما فإذا سئل عن الشئ قال لا أدري لا أدرى
- يمر بكم المبتلي والمكفوف والزمنى الذين يؤجرون على بلائهم فتسألون الله العافية ويمر بكم الملوك فلا تسألون الله العافية .
- ما أحسن تذلل الأغنياء عند الفقراء وما أقبح تذلل الفقراء عن الأغنياء
- أقلل من معرفة الناس يقل عيبك
- أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام
- إذا رأيت الرجل حريصا على أن يؤتم فأخره
- لا تتكلم بلسانك ما تكسر به أسنانك
- اصحب من شئت ثم اغضبه ثم دس إليه من يسأله عنك
- ما كان الله لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة ويحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه
- لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر تضرعه إليه فيها
- ما عالجت شيئا قط أشد على من نفسي مرة على ومرة لي
- عافانا الله وإياك من السوء كله يا أخي إن الدنيا غمها لا يفنى وفرحها لا يدوم وفكرها لا ينقضي فاعمل لنفسك حتى تنجو ولا تتوان فتعطب والسلام
- ما نفس تخرج أحب إلى من نفسي ولو كانت في يدي لأرسلتها
- ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك ولا بوجعك ولا تزك نفسك
- إذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك
- إني لأريد شرب الماء فيسبقني الرجل إلى الشرب فيسقينيها فكأنما دق ضلعا من أضلاعي لا أقدر له على مكافأة بفعله
- إذا زهد العبد في الدنيا أنبت الله الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا وداءها ودواءها
- إني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس
- الملائكة حراس السماء وأصح
ورعه وخشيته لله
كان ليله يُقسم بالنصف: نصف لقراءة القرآن وقيام الليل، وجزء لقراءة الحديث وحفظه، وكان حفظه يبلغ نحواً من ثلاثين ألفاً، وقال ابن عيينة: "ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري". وقال شعيب بن حرب: "إني لأحسب أن يُجاء غداً بـسفيان حجة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد أدركتم سفيان". وقال أبو بكر بن عياش:"إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم في عيني". كانت مرافقة الرجل له شرف، وقال عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-: "كنا نكون عند سفيان فكأنه قد أوقف للحساب من خشيته لله، فلا نجترئ أن نكلمه وهو في تلك الحال من الخشية، فنعرض بذكر الحديث، ونذكر في الكلام بيننا شيئاً عن الحديث، فيذهب ذلك الخشوع فإنما هو حدثنا وحدثنا، ويبدأ بالتحديث".
وكان يطلب سماع الحديث وهو مستخف لما هرب واضطر للاختفاء، وكان وهو مستخف يطلب العلم، قال سليمان بن المثنى: "قدم علينا سفيان الثوري، فأرسل إليَّ: إنه بلغني عنك أحاديث وأنا على ما ترى من الحال، فائتني إن خف عليك، قال: فأتيته فسمع مني، وفعل ذلك بعدد من أصحابي"، وقال ابن المبارك عن سفيان : "كنت أقعد إلى سفيان الثوري فيحدث، فأقول: ما بقي شيء من علمه إلا وقد سمعته، ثم أقعد عنده مجلساً آخر فأقول: ما سمعت من علمه شيئاً".
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: "هذا في عمله بعلمه ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة واحدة". كان يحس بالمسئولية، ويخشى أن يقابل الله فيسأله عن كل حديث حفظه: لأي شيء حفظته؟ وهل عملت به؟ رحمه الله تعالى.
ومع علمه كان ورعاً في الفتوى لا يتسرع في الإجابة، قال مروان بن معاوية: "شهدت سفيان الثوري وسألوه عن مسألة في الطلاق، فسكت وقال: إنما هي الفروج" أي: أخاف أن أفتي بالحل وهي محرمة عليه، فأتسبب في الوقيعة والوقوع في فرج لا تحل له، وقال ابن أسباط: "سئل الثوري وهو يشتري عن مسألة، فقال للسائل: دعني فإن قلبي عند درهمي" فلست متفرغاً لأفتيك، وقد أخطئ وأنا منشغل بالبيع والشراء.
عبادته وزهده
وكانت عبادته عظيمة -رحمة الله عليه- قال يوسف بن أسباط: "قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، فبقي مفكراً، ونمت ثم قمت وقت الفجر، فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع! قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى هذه الساعة".
وكان عجيباً في قيامه لليل، يقوم الليل حتى الصبح في أيام كثيرة، وكان يرفع رجليه على الجدار بعد قيام الليل؛ حتى يعود الدم إلى رأسه، وإذا أكل اجتهد في القيام بزيادة، أكل مرة طعاماً ولحماً ثم تمراً وزبداً، ثم قال: "أحسن إلى الزنجي يعني العبد أحسن إلى الزنجي وكده". ومرة قدم على عبد الرزاق، فقال عبد الرزاق: "طبخت له قدر سكباج لحم مع خل فأكل، ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم قال: يا عبد الرزاق ! اعلف الحمار ثم كده، وقام يصلي حتى الصباح".
وقال علي بن الفضيل: "رأيت الثوري ساجداً، فطفت سبعة أسابيع سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه"، وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي للعشاء".
وكانت خشيته لله أبلغ من أن توصف، قال قبيصة: "ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، ما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه".
وقال يوسف بن أسباط: "كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم من خشيته لله ". وقال سفيان: "البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير".
وكان زاهداً أقبلت عليه الدنيا فتركها، وأخذ كفايته حتى لا يحتاج إلى الناس، وربما اشتغل ببيع وشراء لأجل ألا يحتاج إلى الناس، ولا يمد يده.
أنكاره على الخلفاء
عباد الله: كان هذا الرجل جريئاً في الحق، قوالاً به، ينكر المنكر، وينصح، ولا يخاف في الله لومة لائم؛ لما استخلف المهدي بعث إلى سفيان، فلما دخل عليه خلع خاتمه -الخليفة يخلع خاتمه لسفيان- فرمى به إلى سفيان، وقال: يا أبا عبد الله: هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة. فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن بالكلام يا أمير المؤمنين: قال السامع للراوي: قال له: يا أمير المؤمنين! قال: نعم. فقال الخليفة: نعم. يأذن له بالكلام، قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم. قال سفيان: لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك. قال: فغضب الخليفة وهمَّ به، فقال له كاتبه: أليس قد آمنته؟ قال: بلى. فلما خرج سفيان حف به أصحابه، فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة؟! فاستصغر عقولهم وخرج هارباً إلى البصرة، وكان يقول: "ليس أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم فلا أرى سيئتهم سيئة"، يعني إذا أكرموني تغاضيت عن الحق ولا أرى سيئتهم سيئة.
وكان ينكر عليهم الإسراف في الولائم في مواسم الحج، فعن محمد بن يوسف الفريابي: "سمعت سفيان يقول: أُدخلت على أبي جعفر بـمنى فقلت له: اتق الله، فإنما أنزلت في هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم وهم يموتون جوعاً، حج عمر فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً وكان ينزل تحت الشجر" -عمر ينزل تحت الشجر- فقال الخليفة لـسفيان: "أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا، ولكن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه، فقال: اخرج".
ولما أُدخل على المهدي بـمنى وسلم عليه بالإمرة، فقال الخليفة: أيها الرجل! طلبناك فأعجزتنا، فالحمد لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتك، قال: وما أرفع؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً، قال عمر: أسرفنا! وإني أرى ها هنا أموراً لا تطيقها الجبال.
وفاته وثناء العلماء عليه
استمر -رحمه الله- عابداً لربه مستمراً على العهد الذي بينه وبين الله علماً وتعليماً وعبادة حتى جاءه الأجل، ووافاه القدر، قدر الله بالموت في البصرة، في شعبان سنة إحدى وستين ومائة للهجرة، وقد غسله عبد الله بن إسحاق الكناني
وقال يزيد بن إبراهيم: "رأيت ليلة مات سفيان قيل لي في المنام: مات أمير المؤمنين يعني في الحديث".
ولم يتمكن إخوانه وأصحابه من الاجتماع للصلاة عليه، فجعلوا يفدون إلى قبره يوم وفاته، ودفن وقت العشاء، وعن بعض أصحاب سفيان قال: مات سفيان بـالبصرة ودفن ليلاً ولم نشهد الصلاة عليه، وغدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم وسلام بن مسكين من أئمة العلم، فتقدم جرير وصلى على قبره ثم بكى وقال:
إذا بكيت على ميت لمكرمة فابك غداة على الثوري سفيان
وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح:
أبكي عليه وقد ولى وسؤدده وفضله ناظر كالغسل ريان"
وقال سعيد: "رأيت سفيان في المنام يطير من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي صدقنا وعده"، وهذا مما روي له من المنامات الصالحة بعد وفاته، وقال إبراهيم بن أعين: "رأيت سفيان بن سعيد بعد موته رأيته في المنام، فقلت: ما صنعت؟ فقال: أنا مع السفرة الكرام البررة"، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت"، هذا من ثناء العلماء عليه.
وقال أيضاً الأوزاعي: "لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري".
وقال ابن المبارك : "كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان"، وقال ابن أبي ذئب: "ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري"، وقال ابن المبارك: "ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته -دون الوصف- إلا سفيان الثوري -رحمه الله رحمة واسعة-".
هذا من الرجالات الذين أنجبتهم هذه الأمة، وصاغهم هذا الدين، فكم نحن بحاجة أن نلتزم خطاهم، وأن نسير على نهجهم، وأن نتمثل سيرهم، كم نحن بحاجة إلى استعادة سير أسلافنا الماضين؛ لنكون في العز كما كانوا أو نحاول، ونحن نعلم أننا لن نكون مثلما كانوا، لكن على الأقل لا يصلح- أيها المسلمون- أن تبقى سير العلماء مدفونة، وأن يبقى أولئك الأجلاء الأعلام غير معروفين عند متأخري هذه الأمة، هذه جريمة لا تغتفر، فإن هؤلاء الصالحين قدوة يجب الكلام في سيرهم، ونشر نهجهم وحياتهم؛ حتى تعرف هذه الأمة الامتداد الحقيقي لها، وتعرف هذه الأمة أن لها سابقين، وتعرف هذه الأمة أنها متى قامت بالحق وعدلت بوأها الله المكانة التي ينبغي أن تكون عليها.
اللهم ارحم سفيان واجزه الجزاء الأوفى، اللهم إنا نسألك أن ترحمنا أجمعين، وأن تغفر لنا ذنوبنا يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج همومنا، ونفس عنا كروبنا.. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في هذه الليلة من عتقائك من النار، وفي هذا اليوم العظيم من الفائزين بالجنة يا رب العالمين. الله إنا نسألك يوماً قريباً تعز فيه دينك، وتقر أعيننا فيه بنشر الإسلام والسنة يا رب العالمين. اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين، اللهم إنا نسألك أن ترفع الذل عن المسلمين يا رب العالمين.
إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل:90 فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
